سعيد أيوب
57
معالم الفتن
ثالثا - تيار الذين في قلوبهم مرض : لقد خلطوا بين هذا التيار وبين المنافقين . وقالوا إنهما نوع واحد من الأنماط الإنسانية . والحقيقة غير هذا ولا تلائم سياق بعض الآيات التي ذكر فيها الذين في قلوبهم مرض . وذلك لأن المنافقين يشاركونهم في آيات أخرى ، والعديد من المفسرين قالوا : المنافقون هم الذين آمنوا بأفواههم ، ولم تؤمن قلوبهم والذين في قلوبهم مرض هم ضعاف الإيمان . ومرض القلب في عرف القرآن ، هو الشك والريب على إدراك الإنسان ، فيما يتعلق بالله وآياته . وعدم تمكن القلب من العقد على عقيدة دينية ، نظرا لخلط الإيمان بالشرك عند مرض القلوب . ومن الآيات التي ذكرت الذين في قلوبهم مرض قوله تعالى : ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم . . ) ( 1 ) . ولا معنى للقول بأن الذين في قلوبهم مرض في هذه الآية هم من المشركين ، لأن القرآن لم يطلق على المشركين اسم الذين في قلوبهم مرض ولم يطلق عليهم اسم المنافقين . ولا معنى للقول بأنهم هم الكفار ، لأن الكفر هو موت للقلب لا مرض فيه ، قال تعالى : ( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) ( 2 ) . والذي يستحق التسجيل هنا أن هذه الآية نزلت في غزوة بدر . وفيها دليل على حضور جمع من المنافقين وضعفاء الإيمان ببدر حين تلاقي الفئتين . وذكر أن ضعاف الإيمان كانوا فئة من قريش أسلموا بمكة ، واحتبسهم آباؤهم . واضطروا إلى الخروج مع المشركين إلى بدر ، حتى إذا حضروها وشاهدوا ما عليه المسلمون من القلة قالوا : مساكين غر هؤلاء دينهم حين قدموا على ما قدموا عليه من قلة عددهم وكثرة عدوهم ( 3 ) . فإذا كان تعريف المنافقين بأنهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ، فإن ذلك لا ينطبق على الفئة التي اضطرت إلى
--> ( 1 ) سورة الأنفال : الآية 49 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 122 . ( 3 ) تفسير ابن كثير : 319 \ 2 .